الرمادية من المواضيع الساخنة في الكثير من النقاشات، خاصة السياسية منها، فالساسة يحبون استخدامها كسلاح للتملص من اعطاء رأيهم في القضايا الشائكة التي قد تأثر على شعبيتهم، فعندما تسأله سؤالا واضحا وصريحا ولا يحتمل سوى اجابتين، تجده يرد بأن هنالك منطقة رمادية، بين نعم ولا، وأن رأيه يقع في هذه المنطقة، فهو ليس مؤيد ولا معارض، وانما بين الاثنان.
في احدى المحاضرات السياسية التي حضرتها تحدث المحاضر عن الرمادية وقارنها بالتفكير الثنائي، وكان يقول بأن المنطق الثنائي هو منطق الكمبيوتر، فالكمبيوتر لا يعرف سوى الصفر والواحد، وهو أمر صحيح، فكل التعقيد الذي تراه على شاشة الكمبيوتر يخلص في النهاية إلى الصفر والواحد، وأكمل المحاضر حديثه بعد ذلك بأن قال بأن الإنسان، بعكس الكمبيوتر، لديه القدرة على تمييز ما هو أكثر من الصفر والواحد، وهنا أخطأ المحاضر، فالحقيقة هي أن الخلايا العصبية التي هي سبب منطق الانسان هي أيضا في حالة واحدة من حالتين: اما فعالة أو غير فعالة، ولا توجد حالة وسط.
المحاضر خيّل له ان قدرتنا على تمييز درجات الرمادي دليل على أن تعقيد المنطق البشري لا يمكن أن يختصر في النهاية إلى مكونات ثنائية الحالة، لكنه كان مخطئا جدا، فالرمادية ليست أمرا حقيقيا، الرمادية مجرد وهم.
لكنك ستقول لي: كيف تكون الرمادية مجرد وهم وأنا أرى اللون الرمادي في كل مكان أمامي الآن؟ إذا كانت الرمادية مجرد وهم، فما هي حقيقة ما أراه عندما أرى اللون الرمادي؟
الحقيقة هي أن اللون الرمادي هو اللون الذي نراه عندما يختلط الأسود بالأبيض بحيث يصعب علينا التمييز بينهما، وعندها نرى ذلك الوهم، وهو ليس لونا حقيقيا لاننا لو تمكنا من تحسين قدراتنا وامكانياتنا بحيث اصبح بامكاننا تمييز الأبيض من الأسود في الأمور الرمادية فاننا سنتوقف عن تسمية هذا الأمر أمرا رماديا.
كيف تخلط الأبيض بالأسود لتحصل على اللون الرمادي؟ هنالك طريقتان.
الأولى هي أن تقوم بوضع نقاط سوداء وبيضاء تكون صغيرة جدا في الحجم لدرجة أنك لا تستطيع أن تشاهد كل نقطة على حدى، فترى الأبيض والأسود مختلطان في لون رمادي.
الطريقة الثانية للحصول على اللون الرمادي هو أن تغير لون الشيء بين الأبيض والأسود بسرعة عالية، بحيث لا تستطيع مشاهدة الشيء في لونه الحقيقي في كل لحظة وبالتالي تختلط عليك الأمور وتراها رمادية.
ما أريد الوصول إليه هو أن اللون الرمادي هو اللون الذي تراه عندما تختلط عليك الأمور، وبالتالي فإنه لا يعني نهاية الطريق، إذا عرفت بأن منطقة ما رمادية، فاعرف بان هنالك أمور غير واضحة عليك، وهنالك مجال للاستكشاف أكثر للتمييز بين الأبيض والأسود بها، وإذا قال لك مرشح ما بأن رأيه في قضية ما يقع في المنطقة الرمادية، فطالبه بأن يوضح لك الأبيض والأسود في منطقته الرمادية، فالرمادية وحدها ليست إجابة على السؤال.
هل يعني بذلك بأن من الخطأ أن نسمي منطقة ما بالمنطقة الرمادية؟ بالطبع لا، تسميتنا لمنطقة ما بأنها منطقة رمادية يجب أن يكون اعتراف منا باحتمال احتوائها على الأبيض والأسود، وأننا لا نستطيع أن نرى الأبيض من الأسود فيها، وأن نعلم ذلك بداية جيدة، لأنه اعتراف بالجهل.
الأسوأ من ذلك هو أن نأتي لمنطقة يختلط بها الأبيض بالأسود، وبدلا من أن نلقي نظرة أقرب لها، ونحاول تحليلها أكثر للتوصل إلى التمييز بين الأبيض والأسود، فاننا نصر على أنها بيضاء وأنها خالية من السواد، أو أنها سوداء خالية من البياض، فهذا هو ما يسمى بالجهل المركب، أي أنك لا تدري وفوق ذلك فإنك تصر على انك تدري، أي انك لا تدري بأنك لا تدري.
خلاصة ما أريد الوصول إليه هو أن الرمادية ليست الحل، وليست الإجابة الصحيحة على أي شيء، لكن الاعتراف بها أمر جيد.
4/06/2007 @ 1:56 pm
Mutati0N قال:
تدوينه جميـله اخ احمـد ومصطـلح جديد اعرفـه لم اكن اعرفه من قبـل فبالفعل اللون الرمادي يجمـع بين الاثنين!!!!
13/06/2007 @ 2:25 pm
kuw_son قال:
غريب في بعض الأحيان أن يتملص المرئ من الإجابة بالرغم من وضوحها و عدم قابليتها للقسمة على 2 !!
أنا أعتقد أنه من الغباء اعتبار الإجابة دبلوماسية إذا كان الجواب يحتمل إجابتين فقط .. نعم أو لا .. إن أجاب الشخص بإجابة غير واضحة راغبا في التملص من الإجابة المتوقعة سيعتبر في نظري متردد و فاقد للثقة في الإجابة الصحيحة !!
مصطلح جميل جدا
18/10/2007 @ 7:24 pm
عليوى بلقاسم قال:
ما شاء الله تشبيه بليغ اخي
فعلا اختلاط الحقيقة بالزيف يصبح امرا رماديا مبهما ان كان هذا ما تريد ان ترمي اليه فهذا ما فهمته انا من مقالتك
4/12/2007 @ 10:47 pm
محمد فيروز الكمالي قال:
لا نستطيع أن نجزم في كل أمورنا بأنها بيضاء أو سوداء ، فالحقيقة أحياناً يكون لها أكثر من وجه ، فما تراه صواباً قد أراه غير ذلك .
سررت بالقدر الذي قادني إلى مودنتك ،
27/12/2007 @ 2:23 am
monmind قال:
كلام جميل جداً
أحييك أخي الكريم
وأجمل ما قلت.. أن الرمادية منطقة عدم التمييز.. تحتاج منا إلى نظرة أقرب وتحليل أعمق لنميز ما فيها من أبيض وأسود وبالتالي.. تمييز أصلها
تحية طيبة
5/02/2008 @ 3:35 pm
ibn al-Ahmar قال:
شكرا على فضح النفاق السياسي الذي فاق كل تصور.
“الرمادية” مصطلح يطلق في موضوع الإشاعة المخابراتية والسياسية والعسكرية.
وقد ذكرتني بجواب قاله سياسي عربي في باريس بالفرنسية “Caduque”، وهذا اللفظ يعني “إن الجواب يحتمل عدة احتمالات متناقضة”…
يحدث هذا في غياب شريعة الله سبحانه وتعالى عن حياة المسلمين أفرادا وحكومات، وفي غياب الخلافة الراشدة بعد شيوع الملك الجبري في زماننا حسب ما أخبر عنه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح وصدقه واقعنا المعيش.
أخوكم:
جمال بن عمار الأحمر الجزائري الأندلسي الخزرجي
12/03/2008 @ 10:23 pm
محمد قال:
للأسف فى كثير من الأوقات يعصب أعيننا هذا اللون الرمادى فى كل اختيارتنا الحياتيه ومواقفنا المختلفة وهذا فى رأيى نوع من القصور فى الشخصية خاصة فى حالة سيطرة هذة الرؤية الرمادية على حياتنا لأننا فى هذه الحالة لا نستطيع ان نصل لحسم او موقف نهائى او رضا كامل عن تصرف ما او أحداث نمر بها وفى رأيى ان هذا سبب فى اننا فى وقت ما نقف عند نقطة ما ونجد أن العمر ضاع هباء دون الوصول للكثير من الحقائق ودون الوصول للإيمان الكامل بالأشياء والرضا النفسى
موضوع شيق ومهم يمكن ان نتحدث فيه كثيرا شكرا على الطرح المتميز وبالتوفيق دائماً
12/08/2009 @ 12:45 am
Ahmed maddy ramadan قال:
هذه الاجابة الرمادية ليست للساسة فقط هى اداه لكل الفلاسفة وغيرهم من يرد تهوهان الشخص المتحدث معه
شكرا على كلامك الطيب
3/10/2009 @ 8:33 pm
محمود قال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قرأت ما كتبت وأوافقك الرأي مع قليل من التحفظ وسأترك تحفظي لتكتشفه بنفسك
ياأخي لا يمكن أن يقول الإنسان مايجول في خاطره بكل وضوح في كل الأحيان ولا أدعوا الله سبحانه أن يمتحنك بموقف تكتشف ضرورة هذه المنطقة الرمادية التي لا تعني (لا) ولا تعني (نعم)
إنما (لعم ) فما أكثر مانقول نعم وفي أعماقنا لا وكم نقول لا وفي أعماقنا نعم وتذكر معي موقف الإسلام حين سمح للصحابة الكرام في بداية عهد الإسلام أن يقولوا أمام الكفار عكس قناعاتهم حفاظا على حياتهم ألا ترى معي أن ما يتعرض له الإنسان في هذا الزمن له أقسى من الكفار….
أتمنى من الله أن يديم نعمة الأمان عليك وعلى أمة الإسلام …وألتمس منك أن تحمد الله على عدم اضطرارك للفرار لمنطقة اللون الرمادي خوفا من كفار العصر وأن تلتمس العذر لمن يلوذ بالرمادي فرارا ليس من الحق فالحق نفر إليه وليس منه وإنما رخصة من الحق للحفاظ على الحياة
اعذرني فأنا أرى الأمر من زاوية لابما لن يراها إلا من تذكر ما كان من أمر آل ياسر رضوان الله عليهم وليس للجميع قدرة على تحمل ما تحمله آل ياسر …أرجو أن تقبل مني كلمه أخيرة وهي أن الصدق والوضوح هو الأصل وهذا ما أيدتك به ولكن رأي هو وجود رخصة لمن خاف على نفسه أو أهله من أن يلقي بنفسه في تهلكة ………
الحياة يا أخي لاتقبل القواعد الصارمة ولذلك رخص الإسلام حتى في العبادات وضع حالات خاصة لمن يجد صعوبة أو يتعذر عليه أداء العبادات (فمن كان مريضا أو على سفر ………)
أشكرك لسعة صدرك وجعل الله الخير على يديك وبارك الله فيك
كل الحب والتقدير لكم