القانون الثاني للديناميكا الحرارية واثبات وجود الخالق

واحدة من محاور النقاش الأساسية بين المؤمنين بوجود الخالق والملحدين هي منشأ المادة، الملحدون يرون بأن القوانين العلمية الطبيعية (الفيزيائية) التي نعرفها كافية لإدارة المادة لايجاد كل ما في الكون، بما في ذلك البشر وسائر الكائنات الحية، والسؤال الذي يطرحه عليهم المؤمنون هو: من أين أتت هذه المادة أصلا؟ ومن أين أتت قوانين الطبيعة؟ تكون إجابة الملحدين هي أن المادة وقوانين الطبيعة موجودين بذاتهما منذ الأزل، ولم يأتيا من شيء ما.

دعنا نضع هذا الحوار جانبا للحظات ونحاول أن نراجع قليلا من الفيزياء.

أنت تعلم بأن قانون ثبات الطاقة ينص على أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم، وإنما تتحول من صورة إلى أخرى، وقد يجعلك ذلك تتسائل، إذا كان لدينا كمية من الوقود تحتوي على طاقة كامنة، وقمنا بوضع هذا الوقود في خزان السيارة وشغلنا محرك السيارة وقدناها لمسافة ما، فإن الوقود سينفذ، فأين ذهبت تلك الطاقة التي كانت في الوقود؟ والإجابة هي أن هذه الطاقة لم تفنى، وإنما تحولت إلى صورة أخرى هي الطاقة الحرارية، بعضها في محرك السيارة، وبعضها في الكابح لإيقاف السيارة، وبعضها أثناء احتكاك أجزاء السيارة بجزيئات الهواء والاسفلت المحيطة بها، كل هذه الطاقة الحرارية خرجت من السيارة إلى الوسط المحيط الذي هو الهواء، والمفترض بناءا على قوانين الاتزان الحراري أن هذه الطاقة ستنتقل من المكان الأعلى حرارة إلى المكان الأقل حرارة إلى أن تتوزع الحرارة بالكامل.

هذه الطاقة، على الرغم من أنها لم تفنى، إلا أنها تحولت إلى طاقة غير متوفرة لنا، ولا توجد طريقة لاسترجاع هذه الطاقة واعادة استخدامها، فليست هنالك أية قوانين فيزيائية تحقق العكس، أي عودة الطاقة الحرارية التي تبددت في أرجاء الكون وجمعها في مكان واحد للاستفادة منها مرة أخرى، ولذلك فإن هذا هو مآل الطاقة كلّها التي في الكون، طال الزمن أو قصر، وهو أن تتحول من طاقة متوفرة ومفيدة إلى طاقة مبعثرة أو منعدمة النظام، وهذا هو المقصود من قانون الثاني للديناميكا الحرارية (The Second Law of Thermodynamics) الذي ينص على أن المسارات في النظام المغلق تسير في محصلتها باتجاه العشوائية وانعدام النظام.

إذا كان هنالك شيء حار وشيء بارد فإن الحرارة ستنتقل من الحار إلى البارد إلى أن يصبحان متساويان في درجة الحرارة، وعندما يصلان إلى درجة الحرارة نفسها فإن انتقال الطاقة سيتوقف ولن يحدث أي شيء، وهنا يقال عن النظام بأنه ميت حراريّا، وهذا هو ما سيحدث للكون كله، وعندها يتوقف كل شيء عن العمل، هذه حقيقة علمية.

بعض المؤمنين بوجود الخالق، حاولوا استخدام هذا القانون لاثبات وجود الله، على أساس أن الكون يحتوي حاليا على النظام، فمن أين أتى ذلك إذا كانت القوانين الكونية تؤدي إلى بعثرة كل شيء؟ لكن ذلك في الواقع ليس دليل قويا على وجود الخالق، والإجابة السهلة التي يقدمها الملحدين على ذلك هي أن النظام من الممكن أن ينشأ كخطوة وسطية باتجاه انعدام النظام، اشعال الجمرة مثلا، ولو أنه سيؤدي في النهاية إلى فقدان الطاقة الكامنة بها إلا أن ذلك لا يمنعها من اعطاء النور والدفئ أثناء ذلك، فذلك ليس هو الدليل الذي نريده على الملحدين.

الدليل الذي نريده في الواقع مرتبط بالخلاف الذي ذكرته في بداية المقال، حين قلت بأن المؤمنين يعتقدون بأن كل هذه المادة التي في الكون والقوانين الطبيعية التي تحكم هذه المادة لم تكن موجودة، وانما أوجدها الخالق، بيما يرى الملحدون بأنها موجودة بذاتها منذ الأزل، وهنا تكمن المشكلة في كلامهم، فكلامهم هذا يتناقض مع ما توصلنا إليه من القانون الثاني للديناميكا الحرارية، أي أن للكون عمرا محددا سيفنى بعده.

فإذا كان الكون الذي نعرفه الآن موجودا منذ الأزل كما يزعمون، فذلك يعني بأنه من المفترض أنه مر عليه عدد كاف من السنوات أدى إلى وصوله إلى مرحلة الموت الحراري، لكن الحقيقة هي أن الكون لم يصل بعد إلى هذه المرحلة، ولا زال هنالك الكثير من النظام في الكون، وذلك يعني بأن الكون لم يصل بعد بعمره إلى عدد كاف من السنوات يؤدي إلى نهايته، فما بالك بأن يكون عمر هذا الكون مالانهاية؟ هذا أمر مستحيل بالطبع، لذا فإن الكون الذي نعيش فيه، وجد منذ عدد محدد من السنوات، ولم يكن موجودا قبل ذلك.

فما الذي أوجد هذا الكون؟ نحن نعتقد بأنه نتاج الله عزوجل، ولدينا الكثير من الأدلة الأخرى على ذلك، لكن المهم والذي نستطيع أن نستخلصه من هذه المقالة وحدها، هو أنه مهما كان منشأ الكون، فإنه لا بد من أنه نشأ من شيء لا يخضع لقوانين الطبيعة التي نعرفها، وإلا لكان هو قد فنى بسبب موته حراريا، لكنه على العكس من ذلك موجود منذ الأزل وهو الذي أنشأ الكون، وهذا بحد ذاته نسف للملحدين الذين يرون بأن كل شيء يجب أن يكون خاضعا لقوانين الكون الذي نعيش فيه، وأن التجربة العلمية الخاضعة للقوانين الكونية هي الطريقة الوحيدة لاثبات أي شيء.

13 تعليق

  1. 22/09/2005 @ 1:26 am

    نايف قال:

    مقالاتك جميلة و هي تذكرني بما سمعته عن موت النجوم .

  2. 22/09/2005 @ 3:44 am

    أحمد الهاشمي قال:

    أحسنت أخي العزيز نايف ..

    هنالك الكثير من النظريات في الواقع التي تشير إلى أن الكون الذي نعيش فيه لن يظل إلى الأبد، وكل هذه أدلة على أن الكون الذي نعيش فيه يستحيل أن يكون موجودا منذ الأزل.

    لا بد بأنه أنشأ من قبل قوة أخرى لا تخضع لقوانين الفيزياء.

  3. 25/10/2005 @ 12:06 pm

    موكا قال:

    السلا م عليكم ورحمة الله

    يا سيدي الكريم أسلوب مقالتك كان كأنه أقرب لطرح جوانب إثبات وجود الخالق بالعلم
    وصراحة الموضوع صعب وعن نفسي صراحة ما أقدر أتناقش فيه لأني ما تعودت أحد يقولي أثبت وجود الرب لكن إذا كانت نظرية الإنفجار اللي نشأ منه الكون الواسع جدا بشكل خرافي ووجد فيه كوكبنا بكل أشكال الحياة الجميلة هذه و لم يستوعب منها العلماء شي فعليهم السلام.

    و شكرا لك
    موكا

  4. 25/10/2005 @ 1:37 pm

    أحمد الهاشمي قال:

    الأخ العزيز موكا ..

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..

    هذه المواضيع تطرح كثيرا على أخواننا المغتربين بالذات، والمشكلة هي أن الكثير من الملحدين في هذا العصر يسدون آذانهم عن أي نقاش خارج نطاق العلوم التجريبية، لكن هذا الاثبات يدل على أن هذه العلوم التجريبية ليست كل شيء، وأن عليهم أن يفتحوا أعينهم على الأنواع الأخرى من المعرفة.

  5. 26/02/2006 @ 3:33 pm

    ميسو قال:

    السلام عليكم
    ارجو ان تعلمنا من اين اخذت المراجع ( اسماء الكتب).
    وشكرا

  6. 26/02/2006 @ 4:02 pm

    أحمد الهاشمي قال:

    الأخ العزيز ميسو ..

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..

    المعلومة الوحيدة المذكورة في المقالة والتي قد تحتاج لمرجع خارجي هي القانون الثاني للديناميكا الحرارية، ويمكنك الحصول على هذه المعلومة من أي مرجع عام في الفيزياء، أما بقية الأمور فهي أفكار متسلسلة منطقيا، إذا كان لديك شبهة على أمر محدد فسيسعدني أن آتي لك بمراجع حول الموضوع.

    فكرة استخدام القانون الثاني للديناميكا الحرارية كاثبات على وجود الخالق قديمة، لكنني للأسف لم أجد مقالة جيدة تصل من القانون إلى اثبات وجود الخالق بصورة صحيحة، ففي كثير من الأحيان أجدهم يبدؤون من القانون لكن يحدث تخبط بعد ذلك ولا نصل لأي نتيجة.

    وللعلم، كل الأمثلة والأفكار المساندة تقريبا من عندي وليست من مصادر أخرى، فهذه المقالة من كتابتي، وهي ليست منسوخة أو منقولة من مكان آخر إذا كان هذا ما ترمي إليه.

  7. 5/05/2006 @ 7:51 pm

    وسام قال:

    لقد اعجبني المقال ولكنني ابحث عن المادة في الكون وليس القوانين المهم ان المقال شيق وملىء بالفيزياء ويسعد الانسان التطلع على هكذا مواضيع

  8. 6/05/2006 @ 4:01 pm

    أحمد الهاشمي قال:

    الأخ العزيز وسام ..

    سرني أن المقال أعجبك، وإن شاء الله أظل عند حسن ظنك.

  9. 30/01/2007 @ 3:03 pm

    محمد الشلالي قال:

    شكرا لك يا أخي الهاشمي على هذا المقال

  10. 1/04/2007 @ 8:32 pm

    ليلى قال:

    الطاقة الحرارية لا توجد بالتفصيل الدي ارغب فيه
    الكر الجزيل للموقع و صاحب الموقع

  11. 6/08/2007 @ 2:58 pm

    مصطفى قال:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أعتقد ان ذات الله العليا اعلى واعظم وأجل من ان تقاس بالقانون الثاني أو الثالث للديناميكا الحرارية فليس هناك من لايؤمن بوجود إله يعبد مطلق القدرة الذي يبرهنه الغرب لنا هو صحة مانحن عليه فلا تمر فترات طويلة حتى نرى أو نسمع عن نظرية أو قانون وضعه غربي او امريكي ثم يقال ان هذه النظرية تم التلميح إليها في الاية الفلانية

  12. 18/08/2007 @ 11:47 am

    علي قال:

    السلام عليكم ورحمة الله
    استمتعت كثيرا بقراءة المقال، وأشكرك عليه كثيرا…
    وبالفعل هناك أمور أخرى يجب الأيمان بها لا تخضع للعلوم التجريبة المحضة..
    وكما قيل … كما أن للنظر حد ينتهي له فإن للعقل حد ينتهي له.

  13. 7/10/2007 @ 12:55 am

    محمد دريوش من الجزائر .....الشلف قال:

    موضوع لايتناقش فيه ابدا ولكن الكون لم يخلق عبث وانما من اجل استمرار الحياة داحل وحارج الارض ولله في خلقه شؤون واذا اخضنا منطق العقل فهو لن يكتفي لإشباع غريزة العقل ……………………………………………………………………..

بث RSS لتعليقات هذا الموضوع

ترك تعليق